هلوسات ليله ممطرة ..
كنت اراقب السماء .. وهي تاره تكتسي الكفن .. لتكون سحنتها بيضاء .. وتارة اخرى تختبئ بالسواد .. وكأنها تختبئ خوفاً .. خوفاً من ان يطلق عليها جناية الموت ..
جلست اراقبها .. اهذه ذات السماء التي تطل عليهم ايضاً..؟ اهذه ذات السماء التي تحميهم حيث يوجدون؟ ام هي ذات السماء التي ترسل عليهم حجارة من سجيل البشر..؟ ذات السماء التي تفصلني عنهم بخمسة آلاف وثمانين كيلومتر .. وذات السماء التي اسبح فيها سبع ساعات للوصول لهم ..
هل تغطيهم في هدوء؟ ام انها ثائرة كما هي الآن ..؟ لم اجد جواب ..
توقفت دموع السماء .. وهدأت من نحيبها المتواصل .. خلعت كفنها .. لترتدي رداء تعزيه اسود حزين .. مقيت الصمت .. حالك ..
فاحترمت حزنها .. ولملمت بقايا دفاتري وكتبي .. اقلامي .. المسطرة .. المنقلة .. والفرجال .. لأعود للداخل .. لعلها تريد الأختلاء باحزانها ..
ولكنه استوقفني ..
قال "صغيرتي تعالي .. فيبدو انك اشد حزناً من السماء .. "
ظننتها هلوسات .. فلم اكترث .. لكنه ظهر من بين قطع السحاب .. لينظر إلي بعينين كسيرتين .. "ما خلفك..؟ لماذا اراك وحيدة"
حاولت الإجابة .. ولكني شعرت بالسخيرة .. ففي الأساطير فقط يمكن لتلك الطفلة الحزينة مخاطبة القمر .. فكيف له أن يحدثني ..! كيف للصخر ان ينطق ..
انتظر جوابي .. فضحكت مستهزأه .. "والله دنيا .. وكأن الخرف قد استحوذ علي!"
تابعت ململمة حاجياتي .. فهمس "أأتعبتكِ الفراق ..؟"
-"من انت..؟"
فقال "كنت اراقبك بين السحاب .."
-"وكيف للصخر ان ينطق ..؟"
"دعكِ مني .. واخبريني ما الذي يحزنك حتى تبكي السماء معكِ..؟"
-"اتطل على كل العالم في ذات الوقت ..؟ فلم اعد أؤمن بنظريات العلماء إن كنت تنطق"
"لا يابنتي .. فحين اكون معكِ تغطي الشمس حيث لا اكون .."
-" اتطل على ارض تبعد خمسة آلاف وثمانين كيلومتر"
"اجل .. أرى البقعة التي تقصدين"..
فسالت عبراتي .. سألت بحب ..
"وكيف هم ..؟
هل لهم مأوى؟
هل ينامون بأمان ..؟ اتراهم جائعين ..؟
والأطفال كيف هم الأطفال؟ هل لازالوا في الزقاق يرقصون ..؟
وهل تُشم رائحه الخبز في التنور عند مدخل كل قرية؟
أخبرني بالله عليك .. هل لازالت النساء على ذات العادة ..؟ يذهبون إلى الحسينيات ظهيره كل يوم ..؟
هل جدي لازال يدخن التبغ على حصير يفرشه امام بيته ..؟
أخبرني بالله عليك .. ألا تزال النخيل تحيط بيتنا الصغير ..؟
وامي تفرد العجين لتخبز البيتزا المحببة لأخوتي ..؟
ألا يزال ابي يأتي بعد منتصف الليل من العمل والتعب على محياة لتحييه امي باسمة ...؟
أخبرني .. قل لي عن لعبه "السكونة" .. ألا تزال آثار الطبشور تملئ الطرقات ..؟
أخبرني عن العصيدة والقيمات .. اخبرني عن كل شيء ..
أخبرني عن مدرستي .. وذكرياتي .. ألا تزال كتاباتنا "ذكريات صف سادس فرقة 2" على ذات الكرسي الخشبي خلف ساحة الطابور ..؟
أخبرني عن ليلة كل جمعة .. ألا تزال ذات الباحة تجمعهم ..؟ والأطفال يفوق عددهم المألوف .. وتتعالى الأصوات .. فتغضب جدتي وتأمرهم ان يصمتوا او يرحلوا .. فهي تفضل الأستماع لأسماء الأموات عبر القناة المحلية علها تعرف احدهم .. ثم دعاء كميل .. وتتكرر ذات الحادثة كل اسبوع .. وحين يتأخرون تعتب جدتي اشتياقاً لإزعاجهم .."
أرددت ان اتمم .. فأسألتي كثيرة ..
ولكنني .. لمحت علامات الحزن التي علت سحنته فجأة ..
فنبهه توقفي ..
واكتفى بـ"ماذا اقول لكِ يابنتي .. تذكري ان الله معهم .. ان الله معهم .. واصبري إن الطريق طويل" ..
وغاب صوته .. لأستيقظ على صوت رنين الهاتف ..
-"أحمد .. ماذا هناك لتهاتفني في هذا الليل"..
"استيقظي .. فقد تم قصفهم"
...