Friday, 16 December 2011

مئة وعشرة اعوام ..



رائحة القهوه زكمت انفي .. زقزقات العصافير دغدغت اذني .. وخيوط الشمس تسللت إلي عيني ..
واخيراً افقت! لأتحدث العربية .. مئة وعشرة اعوام .. والقهوة محرمة .. لا شمس .. الضباب هو ما يغطي سماءنا .. لا صوت لزقزقة عصافير .. فزقزقتهم عربية .. وهي احد اساليب التمرد على السادات .. فللعصافير حق الزقزقه بالانكليزية .. في اوقات يحددها الكبار ..
أفقت بنشاط .. هو .. هذا هو اليوم الموعود .. سنزغرد للعروبة .. ونرفع اصوات الأذان .. نجلس في المقاهي .. ليلعب جدي الطاولة مع صديقة أحمد .. يشربون الشاي .. واخي يدخن الشيشية في الخفاء ليزجره ابي .. وانا وخولة وسامية وفاطمة نرتدي ثوب النشل ونسترق النظر من خلف الشباك .. علي اراه خلسه .. تتورد وجنتاي .. وتضحك الفتيات ..
ياااااهـ .. كم اتوق لأمي وهي تدور الرحى .. وتغني .. كم اتوق لرائحة العصيدة حين تنتشر في "الحوي" .. وللمشمشوم في جدائلي ..
افقت .. وانا اتخيل نقش العجين على يدي .. نسوة حولي .. وبرده خضراء فوق رأسي .. والنساء يرددن "امينه في امانيها" .. ثم اناء الزعفران .. لأضع فيه يدي وقدمي ..
لا اسلحة .. لا احتلال .. لا سيطرة انكليزية .. لا ضباط .. لا معسكرات .. ابداً .. اليوم يختفي جميعها .. اليوم ساداتنا عرب .. ووالي القرية هو ابن الجيران ..
سماء صافيه .. وكل الذي كنت انتظره .. هو عباره "الصلاه خير من النوم" .. فلا داعي لأن نخاف بعد اليوم .. لنا ان نقولها من اعلى المساجد .. ان نفرش سجادة الصلاة .. ونرتل القرآن .. يتجمع الرجال في المساجد .. يأمهم شيخ القرية .. يصلون .. وينتهون .. ويلتفت كل منهم يمنه ويسره ليحيي اخاه المصلي ..
قمت .. لاداعي لمزيد من التمني فقد اصبح واقع ..
جدلت ضفائر شعري بالمشموم .. ارتديت فستاني الاحمر .. توضأت لأصلي الصبح ركعتين .. قرأت القرآن .. ولكن رائحة "الطابي" اخرجتني من جحري .. قبلت رأس امي .. وبدأت اعمالي اليومية .. لأكنس "الحوي" .. ثم وضعت "دفتي" .. متجه إلى العين ..
ورأيته وانا اخرج من باب بيتي .. بثوبة البيضاء .. لم يتوقع خروجي .. ناظرني .. ارتبك .. ثم تغيرت نظراته .. تقدم ليهمس بنوع من الغضب "شعرك ايتها المهبوله" ..
كم اعشق غيرته .. ناولني رساله .. وقال "هيا اذهبي قبل ان يرانا اخاكِ" .. هرولت مسرعه إلى العين .. وهناك كانت خولة .. فتحدثنا .. وتحدثنا .. إلى ان تأخر الوقت قليلاً ..
عدت لأنزوي في ركن من غرفتي .. وافتح الرسالة ..

"غاليتي ..
   كم كنت انتظر هذه اللحظة .. حين يخرج الاحتلال .. ونصبح نحن القادة .. كم كنت احلم ان ارفع وطني الصغير الحجم بثرواته الكبيرة .. لا سلطه خارجية تدير ما نملك .. اليوم صار الحلم حقيقة .. اليوم نحن العرب .. والسلطة لدينا .. وحاكمنا الجديد ابن قريتنا .. هو منا .. نشأنا وترعرعنا معاً .. وحفظنا القرآن في ذات المعلم ..
اريدك يا غاليتي ان تكوني جزء كبير في هذه الدولة .. اريدك معلمة ومتعلمه .. مثقفة .. اريدك زوجة  وحبيبة .. اريدك ام لأطفالي وزوجة لي .. اريد ان يكبر ابناءنا في حجر الثقافة .. اريدهم ثوار .. الدين ناصيتهم والعروبة عزتهم ..
لا اريد استباق الاحداث .. ولكن عزيزتي .. اليوم هو يوم استقلالنا .. ونريد من الغد ان يكون يوم انتصار ..
                                                                                                               محبكِ"
طويت الرسالة .. وفي داخلي ذات الأصرار ..
قبل الغروب .. ارتفعت اصوات التغاريد .. والتهاليل .. فقد اعتلى والينا الجديد المنبر .. وخطب في الناس قائلاً: اني منكم وفيكم وإليكم .. اريد معكم تحقيق دولة حرية .. دولة عربية مسلمة مستقلة .. دولة انتم تقررون مصيرها .. انا هنا لأحميكم وادافع عن حقوقكم ..
بعد ساعات .. سمعت دقات عنيفة على الباب ..
خرجت لأرى من الطارق .. في هذا الوقت .. فتح ابي الباب .. انتشرت قوات مسلحة .. لم افهم ما يحدث .. ولكن الجندي يتحدث العربية .. لا الانكليزية كما في السابق .. يرتدي ملابس جديدة .. نقش عليها شعار الدولة .. أهم جنود للوالي الجديد العربي المسلم الجار ؟!!
جاءنا صوت جندي من المقدمة ..
لقد جئنا لأعتقال ابنتك .. علت الصفرة وجه ابي! فخرج صوته المبحوح! وما ذنبها...؟!
فأجاب .. لقد ورد الينا انها تقيم الصلاة .. وتقرأ القرآن .. دون اذن الدولة .. وتستخدم ماء العين دون اذن الدولة .. كما انها في علاقة مشبوهه بإرهابي يحرض للإطاحة بسلطة الدولة .. هي متمرده .. خارجه عن القانون .. فهي متهمة ايضاُ بهاجس الثقافة المحرمة .. وليس لدينا اي دليل على ولاءها لقيادة الدولة ..
كما جئنا لأعتقال ابنك يا سيد .. فهو يستخدم ممتلاك الدولة حين يذهب للغوص في البحر .. ولم يدفع ضريبة استخدام ممتلكات الدولة .. كما انه دخن التبغ والشيشة دون رخصة مختومة من الدولة .. ذهب إلى المسجد للصلاة .. وفي كذلك تجمعات حركة تأجج الحقد وكراهية نظام الدولة ..
وانت ايضاً رهن الاعتقال يا سيد .. ففي المقاهي احاديث عن الدولة ضد الدولة .. كما ان اسمك هو ابراهيم .. هو اسم ليس عربي .. يفسر ولاء خارجي ..
وكذلك زوجتك يا سيد .. فهي الأم والزوجة لمخربين وخونة الدولة ..


Saturday, 1 October 2011


صناديق
حاولت ان اتحرك .. انقلب .. دون جدوى .. لازلت داخل تلك العلبة .. مظلمة .. خانقة .. وكل ما اسمعه .. هو دقات عقارب الساعة  .. تك .. تك .. 
توقفتُ لحظة .. وسط السكون المطبق .. رباه .. اخرجني .. ابعد هذا الركام عن صدري علّي اتنفس .. رباه ارسل لي من يمد  يده ويخرجني .. فكم اتوق لنور .. رباه مالي ارى الخلق وسط النور وقدري صندوق معتم ..
وفي جلّ لحظات الدعاء .. مر عابر .. ولفته احتجازي .. اتخذ من الحجارة مقعد .. وبدأ يسألني .. كيف ولم اكون بهذا الحال ..
-          لازلتِ فتيه .. رائعه .. فلماذا اراكِ محنّطة ..
من وراء الصندوق تحدثنا .. فقط لوحدتي .. لإنكسار سريرتي .. تشاركنا الهم .. والسعادة .. اعتاد ان يأتي كل يوم .. في الثامنة .. ثم يذهب ..
كم ارادني ان اخرج .. ارى النور .. اكون معه في كل حين .. ونودع موعد الثامنة ..
فأجبته ببؤس .. إن خرجت معك من صنودقي .. ستنقلب الموازين .. ويتوه العقلاء .. فكلانا من عالمين لا يعرف احدهما الآخر ..
ودعني .. إنحنى بإعتذار .. وانصرف دون عوده ..
ظلت عيناي تراقبانه .. اكتافه العريضة .. شعره الغجري .. إلى انت انتهى مع خط الأفق ..
ما لبث ان ابتعد .. حتى عادت إلي هواجس الرجاء .. أي ربِ .. متى سيمر من يحملني وقافلته لأسير واسير بدل تكسر ارجلي داخل هذا الصندوق..
وبعد حين .. مر عليّ آخر .. لمحته اجنبي .. فهو يكاد لا يتحدث العربية .. اخضر العينين ..
توقف وحيّا .. فأجبت ..  وسأل عن احوالي ..
وكذلك كل مرة يمر ناحيتي .. 
توصلنا للغة مشتركة .. التمثيل .. والرسم .. الضحك عندما نشعر بسذاجه الآخر ..
سعى سعيه ليتعلم لغتي ..
مد يديه ليخرجني .. فسقطت دمعاتي .. واجبته .. كم انت رائع .. ولكنك لست من اريد ليخرجني ..
وهذا الآخر انحنى بإحترام وودعني ..
وقبل ان ابدأ بالدعاء هذه المرة .. جائني هاتف من السماء وقال .. فلتبقي داخل الصندوق .. فحتى القدر قرر ان يبدل نفسه وسط قراراتك العوجاء ..
ههههـ ..

Saturday, 23 April 2011

هلوسات ليله ممطرة ..

كنت اراقب السماء .. وهي تاره تكتسي الكفن .. لتكون سحنتها بيضاء .. وتارة اخرى تختبئ بالسواد .. وكأنها تختبئ خوفاً .. خوفاً من ان يطلق عليها جناية الموت ..

جلست اراقبها .. اهذه ذات السماء التي تطل عليهم ايضاً..؟ اهذه ذات السماء التي تحميهم حيث يوجدون؟ ام هي ذات السماء التي ترسل عليهم حجارة من سجيل البشر..؟ ذات السماء التي تفصلني عنهم بخمسة آلاف وثمانين كيلومتر .. وذات السماء التي اسبح فيها سبع ساعات للوصول لهم ..

هل تغطيهم في هدوء؟ ام انها ثائرة كما هي الآن ..؟ لم اجد جواب ..

توقفت دموع السماء .. وهدأت من نحيبها المتواصل .. خلعت كفنها .. لترتدي رداء تعزيه اسود حزين .. مقيت الصمت .. حالك ..
فاحترمت حزنها .. ولملمت بقايا دفاتري وكتبي .. اقلامي .. المسطرة .. المنقلة .. والفرجال .. لأعود للداخل ..  لعلها تريد الأختلاء  باحزانها ..

ولكنه استوقفني ..

قال "صغيرتي تعالي .. فيبدو انك اشد حزناً من السماء .. "

ظننتها هلوسات .. فلم اكترث .. لكنه ظهر من بين قطع السحاب .. لينظر إلي بعينين كسيرتين .. "ما خلفك..؟ لماذا اراك وحيدة"
حاولت الإجابة .. ولكني شعرت بالسخيرة .. ففي الأساطير فقط يمكن لتلك الطفلة الحزينة مخاطبة القمر .. فكيف له أن يحدثني ..! كيف للصخر ان ينطق ..

انتظر جوابي .. فضحكت مستهزأه .. "والله دنيا .. وكأن الخرف قد استحوذ علي!"
تابعت ململمة حاجياتي .. فهمس "أأتعبتكِ الفراق ..؟"

-"من انت..؟"
فقال "كنت اراقبك بين السحاب .."
-"وكيف للصخر ان ينطق ..؟"
"دعكِ مني .. واخبريني ما الذي يحزنك حتى تبكي السماء معكِ..؟"
-"اتطل على كل العالم في ذات الوقت ..؟ فلم اعد أؤمن بنظريات العلماء إن كنت تنطق"
"لا يابنتي .. فحين اكون معكِ تغطي الشمس حيث لا اكون .."
-" اتطل على ارض تبعد خمسة آلاف وثمانين كيلومتر"
"اجل .. أرى البقعة التي تقصدين"..

فسالت عبراتي .. سألت بحب ..

"وكيف هم ..؟
هل لهم مأوى؟
هل ينامون بأمان ..؟ اتراهم جائعين ..؟
والأطفال كيف هم الأطفال؟ هل لازالوا في الزقاق يرقصون ..؟
وهل تُشم رائحه الخبز في التنور عند مدخل كل قرية؟
أخبرني بالله عليك .. هل لازالت النساء على ذات العادة ..؟ يذهبون إلى الحسينيات ظهيره كل يوم ..؟
هل جدي لازال يدخن التبغ على حصير يفرشه امام بيته ..؟
أخبرني بالله عليك .. ألا تزال النخيل تحيط بيتنا الصغير ..؟
وامي تفرد العجين لتخبز البيتزا المحببة لأخوتي ..؟
ألا يزال ابي يأتي بعد منتصف الليل من العمل والتعب على محياة لتحييه امي باسمة ...؟
أخبرني .. قل لي عن لعبه "السكونة" .. ألا تزال آثار الطبشور تملئ الطرقات ..؟
أخبرني عن العصيدة والقيمات .. اخبرني عن كل شيء ..
أخبرني عن مدرستي .. وذكرياتي .. ألا تزال كتاباتنا "ذكريات صف سادس فرقة 2" على ذات الكرسي الخشبي خلف ساحة الطابور ..؟
أخبرني عن ليلة كل جمعة .. ألا تزال ذات الباحة تجمعهم ..؟ والأطفال يفوق عددهم المألوف .. وتتعالى الأصوات .. فتغضب جدتي وتأمرهم ان يصمتوا او يرحلوا .. فهي تفضل الأستماع لأسماء الأموات عبر القناة المحلية علها تعرف احدهم .. ثم دعاء كميل .. وتتكرر ذات الحادثة كل اسبوع .. وحين يتأخرون تعتب جدتي اشتياقاً لإزعاجهم .." 

أرددت ان اتمم .. فأسألتي كثيرة ..

ولكنني .. لمحت علامات الحزن التي علت سحنته فجأة ..
فنبهه توقفي ..

واكتفى بـ"ماذا اقول لكِ يابنتي .. تذكري ان الله معهم .. ان الله معهم .. واصبري إن الطريق طويل" ..

وغاب صوته .. لأستيقظ على صوت رنين الهاتف ..

-"أحمد .. ماذا هناك لتهاتفني في هذا الليل"..
"استيقظي .. فقد تم قصفهم"

...

Friday, 22 April 2011

ليلة دراسية ..

هكذا كان الإتفاق .. هي ليلة سأقضيها في الدراسة وإتمام اموري الجامعيه .. إتمام البحوث واستحضار الدروس السابقة .. ولكن .. جملة ظلت تتردد في خلدي .. وكأنها تطلب مني ان اخلدها على الورق .. "في ليالي الحلك هاتفت القصيد" .. وظلت تتردد وتتردد .. تطرق الأبواب .. وتنفخ الابواق محاولة التغلغل والدخول ..
استسلمت للأمر .. وامسكت بالقلم .. لأهرب من الدروس .. وانخرط في عالم آخر .. كتبت شعوري .. دون اكتراث لتنسيق او وزن ..
..
في ليالي الحُلك هاتفت القصيد ..
قُلْت اي دالَ القَوافِي .. الحْمِي دِّرْعُ الحَدِيد ..
فَسقُوطِي مِنْ جَوادي .. في الوْغى صْارَ رَتِيْب ..
وتراتيل الحسام .. برَّحَت قَلْبِي فَمَوّتِي اليْوم عِيد
..
كُنْتُ حَجَّاج بِأمْسِي .. آلمْوت كَانَ قَصْرِي ..
وْيَطُوف الوِلْدُ حَوْلِي .. كَصُخُورٍ مِنْ صَعيد
..
يَوْمها قَالَ لِي الشَيْخ اِحْذَرِي ..
بِئسما يَسْقِط فِي الحَرْب نَجيد
ما أخذتُ القَوْلَ حَزْماً ..
إنْهُ غَيْرِيَ مَن يَسْقط فِي الحَرْبِ جَهِيد
..
وسَقَطْت .. وسَقَطْت .. وسَقَطْت ..
لَيّتَهُ مَوْتاً هُو أسْقَطَنِي ..
لَيّتَنِي كُنْتُ بِتَشْرِين شَهِيْد لا وَلِيد
..
كَانَ سَهْم مِن عُيُونٍ نَاعِسْات
وتَلْته اسْهُم البُعْد لأهمى فِي الثَرْى
"قَيْصَر مَدِيد" ..
..
لَمْ يَكُنْ ذاكَ خَلاصِي .. 
بلْ هُو بِدأُ بواري .. بِدْأُ ذَوّبٍ للجَلِيد
قُلْتُ اُمّاه .. اُمّاه .. انْقِذْينِي ..
وابي .. هَل تَنْتشِلني؟
قَالُوا العذْر لَك .. قالُوا العذْر لك ..
لَيْسَ لِلحُب دواء .. غير دَعْواك إلهٍ مُسْتَجِيب ..
..