مئة وعشرة اعوام ..
رائحة القهوه زكمت انفي .. زقزقات العصافير دغدغت اذني .. وخيوط الشمس تسللت إلي عيني ..
واخيراً افقت! لأتحدث العربية .. مئة وعشرة اعوام .. والقهوة محرمة .. لا شمس .. الضباب هو ما يغطي سماءنا .. لا صوت لزقزقة عصافير .. فزقزقتهم عربية .. وهي احد اساليب التمرد على السادات .. فللعصافير حق الزقزقه بالانكليزية .. في اوقات يحددها الكبار ..
أفقت بنشاط .. هو .. هذا هو اليوم الموعود .. سنزغرد للعروبة .. ونرفع اصوات الأذان .. نجلس في المقاهي .. ليلعب جدي الطاولة مع صديقة أحمد .. يشربون الشاي .. واخي يدخن الشيشية في الخفاء ليزجره ابي .. وانا وخولة وسامية وفاطمة نرتدي ثوب النشل ونسترق النظر من خلف الشباك .. علي اراه خلسه .. تتورد وجنتاي .. وتضحك الفتيات ..
ياااااهـ .. كم اتوق لأمي وهي تدور الرحى .. وتغني .. كم اتوق لرائحة العصيدة حين تنتشر في "الحوي" .. وللمشمشوم في جدائلي ..
افقت .. وانا اتخيل نقش العجين على يدي .. نسوة حولي .. وبرده خضراء فوق رأسي .. والنساء يرددن "امينه في امانيها" .. ثم اناء الزعفران .. لأضع فيه يدي وقدمي ..
لا اسلحة .. لا احتلال .. لا سيطرة انكليزية .. لا ضباط .. لا معسكرات .. ابداً .. اليوم يختفي جميعها .. اليوم ساداتنا عرب .. ووالي القرية هو ابن الجيران ..
سماء صافيه .. وكل الذي كنت انتظره .. هو عباره "الصلاه خير من النوم" .. فلا داعي لأن نخاف بعد اليوم .. لنا ان نقولها من اعلى المساجد .. ان نفرش سجادة الصلاة .. ونرتل القرآن .. يتجمع الرجال في المساجد .. يأمهم شيخ القرية .. يصلون .. وينتهون .. ويلتفت كل منهم يمنه ويسره ليحيي اخاه المصلي ..
قمت .. لاداعي لمزيد من التمني فقد اصبح واقع ..
جدلت ضفائر شعري بالمشموم .. ارتديت فستاني الاحمر .. توضأت لأصلي الصبح ركعتين .. قرأت القرآن .. ولكن رائحة "الطابي" اخرجتني من جحري .. قبلت رأس امي .. وبدأت اعمالي اليومية .. لأكنس "الحوي" .. ثم وضعت "دفتي" .. متجه إلى العين ..
ورأيته وانا اخرج من باب بيتي .. بثوبة البيضاء .. لم يتوقع خروجي .. ناظرني .. ارتبك .. ثم تغيرت نظراته .. تقدم ليهمس بنوع من الغضب "شعرك ايتها المهبوله" ..
كم اعشق غيرته .. ناولني رساله .. وقال "هيا اذهبي قبل ان يرانا اخاكِ" .. هرولت مسرعه إلى العين .. وهناك كانت خولة .. فتحدثنا .. وتحدثنا .. إلى ان تأخر الوقت قليلاً ..
عدت لأنزوي في ركن من غرفتي .. وافتح الرسالة ..
"غاليتي ..
كم كنت انتظر هذه اللحظة .. حين يخرج الاحتلال .. ونصبح نحن القادة .. كم كنت احلم ان ارفع وطني الصغير الحجم بثرواته الكبيرة .. لا سلطه خارجية تدير ما نملك .. اليوم صار الحلم حقيقة .. اليوم نحن العرب .. والسلطة لدينا .. وحاكمنا الجديد ابن قريتنا .. هو منا .. نشأنا وترعرعنا معاً .. وحفظنا القرآن في ذات المعلم ..
اريدك يا غاليتي ان تكوني جزء كبير في هذه الدولة .. اريدك معلمة ومتعلمه .. مثقفة .. اريدك زوجة وحبيبة .. اريدك ام لأطفالي وزوجة لي .. اريد ان يكبر ابناءنا في حجر الثقافة .. اريدهم ثوار .. الدين ناصيتهم والعروبة عزتهم ..
لا اريد استباق الاحداث .. ولكن عزيزتي .. اليوم هو يوم استقلالنا .. ونريد من الغد ان يكون يوم انتصار ..
محبكِ"
طويت الرسالة .. وفي داخلي ذات الأصرار ..
قبل الغروب .. ارتفعت اصوات التغاريد .. والتهاليل .. فقد اعتلى والينا الجديد المنبر .. وخطب في الناس قائلاً: اني منكم وفيكم وإليكم .. اريد معكم تحقيق دولة حرية .. دولة عربية مسلمة مستقلة .. دولة انتم تقررون مصيرها .. انا هنا لأحميكم وادافع عن حقوقكم ..
بعد ساعات .. سمعت دقات عنيفة على الباب ..
خرجت لأرى من الطارق .. في هذا الوقت .. فتح ابي الباب .. انتشرت قوات مسلحة .. لم افهم ما يحدث .. ولكن الجندي يتحدث العربية .. لا الانكليزية كما في السابق .. يرتدي ملابس جديدة .. نقش عليها شعار الدولة .. أهم جنود للوالي الجديد العربي المسلم الجار ؟!!
جاءنا صوت جندي من المقدمة ..
لقد جئنا لأعتقال ابنتك .. علت الصفرة وجه ابي! فخرج صوته المبحوح! وما ذنبها...؟!
فأجاب .. لقد ورد الينا انها تقيم الصلاة .. وتقرأ القرآن .. دون اذن الدولة .. وتستخدم ماء العين دون اذن الدولة .. كما انها في علاقة مشبوهه بإرهابي يحرض للإطاحة بسلطة الدولة .. هي متمرده .. خارجه عن القانون .. فهي متهمة ايضاُ بهاجس الثقافة المحرمة .. وليس لدينا اي دليل على ولاءها لقيادة الدولة ..
كما جئنا لأعتقال ابنك يا سيد .. فهو يستخدم ممتلاك الدولة حين يذهب للغوص في البحر .. ولم يدفع ضريبة استخدام ممتلكات الدولة .. كما انه دخن التبغ والشيشة دون رخصة مختومة من الدولة .. ذهب إلى المسجد للصلاة .. وفي كذلك تجمعات حركة تأجج الحقد وكراهية نظام الدولة ..
وانت ايضاً رهن الاعتقال يا سيد .. ففي المقاهي احاديث عن الدولة ضد الدولة .. كما ان اسمك هو ابراهيم .. هو اسم ليس عربي .. يفسر ولاء خارجي ..
وكذلك زوجتك يا سيد .. فهي الأم والزوجة لمخربين وخونة الدولة ..