Friday, 16 December 2011

مئة وعشرة اعوام ..



رائحة القهوه زكمت انفي .. زقزقات العصافير دغدغت اذني .. وخيوط الشمس تسللت إلي عيني ..
واخيراً افقت! لأتحدث العربية .. مئة وعشرة اعوام .. والقهوة محرمة .. لا شمس .. الضباب هو ما يغطي سماءنا .. لا صوت لزقزقة عصافير .. فزقزقتهم عربية .. وهي احد اساليب التمرد على السادات .. فللعصافير حق الزقزقه بالانكليزية .. في اوقات يحددها الكبار ..
أفقت بنشاط .. هو .. هذا هو اليوم الموعود .. سنزغرد للعروبة .. ونرفع اصوات الأذان .. نجلس في المقاهي .. ليلعب جدي الطاولة مع صديقة أحمد .. يشربون الشاي .. واخي يدخن الشيشية في الخفاء ليزجره ابي .. وانا وخولة وسامية وفاطمة نرتدي ثوب النشل ونسترق النظر من خلف الشباك .. علي اراه خلسه .. تتورد وجنتاي .. وتضحك الفتيات ..
ياااااهـ .. كم اتوق لأمي وهي تدور الرحى .. وتغني .. كم اتوق لرائحة العصيدة حين تنتشر في "الحوي" .. وللمشمشوم في جدائلي ..
افقت .. وانا اتخيل نقش العجين على يدي .. نسوة حولي .. وبرده خضراء فوق رأسي .. والنساء يرددن "امينه في امانيها" .. ثم اناء الزعفران .. لأضع فيه يدي وقدمي ..
لا اسلحة .. لا احتلال .. لا سيطرة انكليزية .. لا ضباط .. لا معسكرات .. ابداً .. اليوم يختفي جميعها .. اليوم ساداتنا عرب .. ووالي القرية هو ابن الجيران ..
سماء صافيه .. وكل الذي كنت انتظره .. هو عباره "الصلاه خير من النوم" .. فلا داعي لأن نخاف بعد اليوم .. لنا ان نقولها من اعلى المساجد .. ان نفرش سجادة الصلاة .. ونرتل القرآن .. يتجمع الرجال في المساجد .. يأمهم شيخ القرية .. يصلون .. وينتهون .. ويلتفت كل منهم يمنه ويسره ليحيي اخاه المصلي ..
قمت .. لاداعي لمزيد من التمني فقد اصبح واقع ..
جدلت ضفائر شعري بالمشموم .. ارتديت فستاني الاحمر .. توضأت لأصلي الصبح ركعتين .. قرأت القرآن .. ولكن رائحة "الطابي" اخرجتني من جحري .. قبلت رأس امي .. وبدأت اعمالي اليومية .. لأكنس "الحوي" .. ثم وضعت "دفتي" .. متجه إلى العين ..
ورأيته وانا اخرج من باب بيتي .. بثوبة البيضاء .. لم يتوقع خروجي .. ناظرني .. ارتبك .. ثم تغيرت نظراته .. تقدم ليهمس بنوع من الغضب "شعرك ايتها المهبوله" ..
كم اعشق غيرته .. ناولني رساله .. وقال "هيا اذهبي قبل ان يرانا اخاكِ" .. هرولت مسرعه إلى العين .. وهناك كانت خولة .. فتحدثنا .. وتحدثنا .. إلى ان تأخر الوقت قليلاً ..
عدت لأنزوي في ركن من غرفتي .. وافتح الرسالة ..

"غاليتي ..
   كم كنت انتظر هذه اللحظة .. حين يخرج الاحتلال .. ونصبح نحن القادة .. كم كنت احلم ان ارفع وطني الصغير الحجم بثرواته الكبيرة .. لا سلطه خارجية تدير ما نملك .. اليوم صار الحلم حقيقة .. اليوم نحن العرب .. والسلطة لدينا .. وحاكمنا الجديد ابن قريتنا .. هو منا .. نشأنا وترعرعنا معاً .. وحفظنا القرآن في ذات المعلم ..
اريدك يا غاليتي ان تكوني جزء كبير في هذه الدولة .. اريدك معلمة ومتعلمه .. مثقفة .. اريدك زوجة  وحبيبة .. اريدك ام لأطفالي وزوجة لي .. اريد ان يكبر ابناءنا في حجر الثقافة .. اريدهم ثوار .. الدين ناصيتهم والعروبة عزتهم ..
لا اريد استباق الاحداث .. ولكن عزيزتي .. اليوم هو يوم استقلالنا .. ونريد من الغد ان يكون يوم انتصار ..
                                                                                                               محبكِ"
طويت الرسالة .. وفي داخلي ذات الأصرار ..
قبل الغروب .. ارتفعت اصوات التغاريد .. والتهاليل .. فقد اعتلى والينا الجديد المنبر .. وخطب في الناس قائلاً: اني منكم وفيكم وإليكم .. اريد معكم تحقيق دولة حرية .. دولة عربية مسلمة مستقلة .. دولة انتم تقررون مصيرها .. انا هنا لأحميكم وادافع عن حقوقكم ..
بعد ساعات .. سمعت دقات عنيفة على الباب ..
خرجت لأرى من الطارق .. في هذا الوقت .. فتح ابي الباب .. انتشرت قوات مسلحة .. لم افهم ما يحدث .. ولكن الجندي يتحدث العربية .. لا الانكليزية كما في السابق .. يرتدي ملابس جديدة .. نقش عليها شعار الدولة .. أهم جنود للوالي الجديد العربي المسلم الجار ؟!!
جاءنا صوت جندي من المقدمة ..
لقد جئنا لأعتقال ابنتك .. علت الصفرة وجه ابي! فخرج صوته المبحوح! وما ذنبها...؟!
فأجاب .. لقد ورد الينا انها تقيم الصلاة .. وتقرأ القرآن .. دون اذن الدولة .. وتستخدم ماء العين دون اذن الدولة .. كما انها في علاقة مشبوهه بإرهابي يحرض للإطاحة بسلطة الدولة .. هي متمرده .. خارجه عن القانون .. فهي متهمة ايضاُ بهاجس الثقافة المحرمة .. وليس لدينا اي دليل على ولاءها لقيادة الدولة ..
كما جئنا لأعتقال ابنك يا سيد .. فهو يستخدم ممتلاك الدولة حين يذهب للغوص في البحر .. ولم يدفع ضريبة استخدام ممتلكات الدولة .. كما انه دخن التبغ والشيشة دون رخصة مختومة من الدولة .. ذهب إلى المسجد للصلاة .. وفي كذلك تجمعات حركة تأجج الحقد وكراهية نظام الدولة ..
وانت ايضاً رهن الاعتقال يا سيد .. ففي المقاهي احاديث عن الدولة ضد الدولة .. كما ان اسمك هو ابراهيم .. هو اسم ليس عربي .. يفسر ولاء خارجي ..
وكذلك زوجتك يا سيد .. فهي الأم والزوجة لمخربين وخونة الدولة ..


Saturday, 1 October 2011


صناديق
حاولت ان اتحرك .. انقلب .. دون جدوى .. لازلت داخل تلك العلبة .. مظلمة .. خانقة .. وكل ما اسمعه .. هو دقات عقارب الساعة  .. تك .. تك .. 
توقفتُ لحظة .. وسط السكون المطبق .. رباه .. اخرجني .. ابعد هذا الركام عن صدري علّي اتنفس .. رباه ارسل لي من يمد  يده ويخرجني .. فكم اتوق لنور .. رباه مالي ارى الخلق وسط النور وقدري صندوق معتم ..
وفي جلّ لحظات الدعاء .. مر عابر .. ولفته احتجازي .. اتخذ من الحجارة مقعد .. وبدأ يسألني .. كيف ولم اكون بهذا الحال ..
-          لازلتِ فتيه .. رائعه .. فلماذا اراكِ محنّطة ..
من وراء الصندوق تحدثنا .. فقط لوحدتي .. لإنكسار سريرتي .. تشاركنا الهم .. والسعادة .. اعتاد ان يأتي كل يوم .. في الثامنة .. ثم يذهب ..
كم ارادني ان اخرج .. ارى النور .. اكون معه في كل حين .. ونودع موعد الثامنة ..
فأجبته ببؤس .. إن خرجت معك من صنودقي .. ستنقلب الموازين .. ويتوه العقلاء .. فكلانا من عالمين لا يعرف احدهما الآخر ..
ودعني .. إنحنى بإعتذار .. وانصرف دون عوده ..
ظلت عيناي تراقبانه .. اكتافه العريضة .. شعره الغجري .. إلى انت انتهى مع خط الأفق ..
ما لبث ان ابتعد .. حتى عادت إلي هواجس الرجاء .. أي ربِ .. متى سيمر من يحملني وقافلته لأسير واسير بدل تكسر ارجلي داخل هذا الصندوق..
وبعد حين .. مر عليّ آخر .. لمحته اجنبي .. فهو يكاد لا يتحدث العربية .. اخضر العينين ..
توقف وحيّا .. فأجبت ..  وسأل عن احوالي ..
وكذلك كل مرة يمر ناحيتي .. 
توصلنا للغة مشتركة .. التمثيل .. والرسم .. الضحك عندما نشعر بسذاجه الآخر ..
سعى سعيه ليتعلم لغتي ..
مد يديه ليخرجني .. فسقطت دمعاتي .. واجبته .. كم انت رائع .. ولكنك لست من اريد ليخرجني ..
وهذا الآخر انحنى بإحترام وودعني ..
وقبل ان ابدأ بالدعاء هذه المرة .. جائني هاتف من السماء وقال .. فلتبقي داخل الصندوق .. فحتى القدر قرر ان يبدل نفسه وسط قراراتك العوجاء ..
ههههـ ..

Saturday, 23 April 2011

هلوسات ليله ممطرة ..

كنت اراقب السماء .. وهي تاره تكتسي الكفن .. لتكون سحنتها بيضاء .. وتارة اخرى تختبئ بالسواد .. وكأنها تختبئ خوفاً .. خوفاً من ان يطلق عليها جناية الموت ..

جلست اراقبها .. اهذه ذات السماء التي تطل عليهم ايضاً..؟ اهذه ذات السماء التي تحميهم حيث يوجدون؟ ام هي ذات السماء التي ترسل عليهم حجارة من سجيل البشر..؟ ذات السماء التي تفصلني عنهم بخمسة آلاف وثمانين كيلومتر .. وذات السماء التي اسبح فيها سبع ساعات للوصول لهم ..

هل تغطيهم في هدوء؟ ام انها ثائرة كما هي الآن ..؟ لم اجد جواب ..

توقفت دموع السماء .. وهدأت من نحيبها المتواصل .. خلعت كفنها .. لترتدي رداء تعزيه اسود حزين .. مقيت الصمت .. حالك ..
فاحترمت حزنها .. ولملمت بقايا دفاتري وكتبي .. اقلامي .. المسطرة .. المنقلة .. والفرجال .. لأعود للداخل ..  لعلها تريد الأختلاء  باحزانها ..

ولكنه استوقفني ..

قال "صغيرتي تعالي .. فيبدو انك اشد حزناً من السماء .. "

ظننتها هلوسات .. فلم اكترث .. لكنه ظهر من بين قطع السحاب .. لينظر إلي بعينين كسيرتين .. "ما خلفك..؟ لماذا اراك وحيدة"
حاولت الإجابة .. ولكني شعرت بالسخيرة .. ففي الأساطير فقط يمكن لتلك الطفلة الحزينة مخاطبة القمر .. فكيف له أن يحدثني ..! كيف للصخر ان ينطق ..

انتظر جوابي .. فضحكت مستهزأه .. "والله دنيا .. وكأن الخرف قد استحوذ علي!"
تابعت ململمة حاجياتي .. فهمس "أأتعبتكِ الفراق ..؟"

-"من انت..؟"
فقال "كنت اراقبك بين السحاب .."
-"وكيف للصخر ان ينطق ..؟"
"دعكِ مني .. واخبريني ما الذي يحزنك حتى تبكي السماء معكِ..؟"
-"اتطل على كل العالم في ذات الوقت ..؟ فلم اعد أؤمن بنظريات العلماء إن كنت تنطق"
"لا يابنتي .. فحين اكون معكِ تغطي الشمس حيث لا اكون .."
-" اتطل على ارض تبعد خمسة آلاف وثمانين كيلومتر"
"اجل .. أرى البقعة التي تقصدين"..

فسالت عبراتي .. سألت بحب ..

"وكيف هم ..؟
هل لهم مأوى؟
هل ينامون بأمان ..؟ اتراهم جائعين ..؟
والأطفال كيف هم الأطفال؟ هل لازالوا في الزقاق يرقصون ..؟
وهل تُشم رائحه الخبز في التنور عند مدخل كل قرية؟
أخبرني بالله عليك .. هل لازالت النساء على ذات العادة ..؟ يذهبون إلى الحسينيات ظهيره كل يوم ..؟
هل جدي لازال يدخن التبغ على حصير يفرشه امام بيته ..؟
أخبرني بالله عليك .. ألا تزال النخيل تحيط بيتنا الصغير ..؟
وامي تفرد العجين لتخبز البيتزا المحببة لأخوتي ..؟
ألا يزال ابي يأتي بعد منتصف الليل من العمل والتعب على محياة لتحييه امي باسمة ...؟
أخبرني .. قل لي عن لعبه "السكونة" .. ألا تزال آثار الطبشور تملئ الطرقات ..؟
أخبرني عن العصيدة والقيمات .. اخبرني عن كل شيء ..
أخبرني عن مدرستي .. وذكرياتي .. ألا تزال كتاباتنا "ذكريات صف سادس فرقة 2" على ذات الكرسي الخشبي خلف ساحة الطابور ..؟
أخبرني عن ليلة كل جمعة .. ألا تزال ذات الباحة تجمعهم ..؟ والأطفال يفوق عددهم المألوف .. وتتعالى الأصوات .. فتغضب جدتي وتأمرهم ان يصمتوا او يرحلوا .. فهي تفضل الأستماع لأسماء الأموات عبر القناة المحلية علها تعرف احدهم .. ثم دعاء كميل .. وتتكرر ذات الحادثة كل اسبوع .. وحين يتأخرون تعتب جدتي اشتياقاً لإزعاجهم .." 

أرددت ان اتمم .. فأسألتي كثيرة ..

ولكنني .. لمحت علامات الحزن التي علت سحنته فجأة ..
فنبهه توقفي ..

واكتفى بـ"ماذا اقول لكِ يابنتي .. تذكري ان الله معهم .. ان الله معهم .. واصبري إن الطريق طويل" ..

وغاب صوته .. لأستيقظ على صوت رنين الهاتف ..

-"أحمد .. ماذا هناك لتهاتفني في هذا الليل"..
"استيقظي .. فقد تم قصفهم"

...

Friday, 22 April 2011

ليلة دراسية ..

هكذا كان الإتفاق .. هي ليلة سأقضيها في الدراسة وإتمام اموري الجامعيه .. إتمام البحوث واستحضار الدروس السابقة .. ولكن .. جملة ظلت تتردد في خلدي .. وكأنها تطلب مني ان اخلدها على الورق .. "في ليالي الحلك هاتفت القصيد" .. وظلت تتردد وتتردد .. تطرق الأبواب .. وتنفخ الابواق محاولة التغلغل والدخول ..
استسلمت للأمر .. وامسكت بالقلم .. لأهرب من الدروس .. وانخرط في عالم آخر .. كتبت شعوري .. دون اكتراث لتنسيق او وزن ..
..
في ليالي الحُلك هاتفت القصيد ..
قُلْت اي دالَ القَوافِي .. الحْمِي دِّرْعُ الحَدِيد ..
فَسقُوطِي مِنْ جَوادي .. في الوْغى صْارَ رَتِيْب ..
وتراتيل الحسام .. برَّحَت قَلْبِي فَمَوّتِي اليْوم عِيد
..
كُنْتُ حَجَّاج بِأمْسِي .. آلمْوت كَانَ قَصْرِي ..
وْيَطُوف الوِلْدُ حَوْلِي .. كَصُخُورٍ مِنْ صَعيد
..
يَوْمها قَالَ لِي الشَيْخ اِحْذَرِي ..
بِئسما يَسْقِط فِي الحَرْب نَجيد
ما أخذتُ القَوْلَ حَزْماً ..
إنْهُ غَيْرِيَ مَن يَسْقط فِي الحَرْبِ جَهِيد
..
وسَقَطْت .. وسَقَطْت .. وسَقَطْت ..
لَيّتَهُ مَوْتاً هُو أسْقَطَنِي ..
لَيّتَنِي كُنْتُ بِتَشْرِين شَهِيْد لا وَلِيد
..
كَانَ سَهْم مِن عُيُونٍ نَاعِسْات
وتَلْته اسْهُم البُعْد لأهمى فِي الثَرْى
"قَيْصَر مَدِيد" ..
..
لَمْ يَكُنْ ذاكَ خَلاصِي .. 
بلْ هُو بِدأُ بواري .. بِدْأُ ذَوّبٍ للجَلِيد
قُلْتُ اُمّاه .. اُمّاه .. انْقِذْينِي ..
وابي .. هَل تَنْتشِلني؟
قَالُوا العذْر لَك .. قالُوا العذْر لك ..
لَيْسَ لِلحُب دواء .. غير دَعْواك إلهٍ مُسْتَجِيب ..
..




Sunday, 26 December 2010

هاربة من رجل مكسور..

قال لي: بحق ربكِ اخبريني .. كيف الفراق بلا وداع ..
هوّ .. التقيته ..كأحد عوام الناس .. يربطنا سلام بين الحين والآخر .. لا اعرفه حقاً .. غير اسمه .. ملامحه .. القليل عن شخصيته .. وكفى
إلى ان ادركت انه ممن يهتم بتطورات حياتي .. هكذا بدأت القصة ..
كنت ممن يهوى تحليل الذات .. وفضولي لأكتشاف فصائل بني البشر جعل مني شخصية تود التحدث مع مختلف الأفراد .. وخصوصاً .. من لهم نظره الحزن .. من ترى ابتسامتهم وتعلم انها تخبئ الكثير تحتها ..
كان يكبرني بثمانية اعوام .. بدأت رسائلنا حين كان يسألني عن الدراسة وما هو طعم الغربه .. وكانت خطاباتي عفوية .. تشوبها الرسمية .. وتفتقر الدقة .. "الحمد لله .. لا شيء جديد" وهكذا كانت .. لقاءات بارده .. بصدفه غير مقصودة .. فما هو لي إلا صديق غريب .. لا اعرفة ..
بدأ يسألني عن ارائي في قضايا اجتماعية .. سياسية .. دينيه .. وكثيراً ما كانت تصل ذروه النقاش إلى زاوية مغلقة .. فهو من عالم يختلف عن ذاك الذي اعيشة .. فهو متدين .. "متشدد" .. كما كنت اراه .. يحرم الغناء .. يوجب ارتداء العباءة التي خلعتها بعد هروبي من قانون المجتمع .. ويرى ان الفتاه جوهرة يجب الحفاظ عليها في صندوق مغلق .. لا ترى النور .. ولا احد يراها .. حتى لا يطمع فيها اللصوص ..
جذبني هذا التنافر بيننا .. دفعني الفضول لأكتشف عالمه .. وهكذا بدأنا نتحدث كل اسبوع .. بمواضيع مختلفة .. نطرحها .. ونحللها .. إلى ان نصل إلى باب مغلق ..
لم ادرك ان ذلك جعلني قريبة منه .. إلى الحد الذي بدأ يطلعني على اسراره .. اخبرني ان قلبه مكسور من امرأه احبها فخانته .. فكنت له الطبيب .. وكنت ارى منه اخاً اجلّ احترامه ..اطلعه على ابرز الأحداث من يومياتي ..
اطلعني على انه لا يملك اي شهاده علمية غير الإعدادية .. وذلك لظروف نفسية ألمت به .. تعاطفت معه .. ودفعني ذلك إلى حثة لأكمال دراسته .. وبدأ حياة بيضاء .. ولكنه كان قليل التفاءول .. يحبذ الموت على ان يسعى مره اخرى ..
جاءني في احدى الأيام ليخبرني انه احبني .. فابتعدت عنه .. واصبح الجفاء هو لساني معه .. وكنت اقول .. "كيف يجرأ" .. لم ادرك حينها ان ذلك طبيعي من رجل في السادسة والعشرين من عمره .. يومها ارسل لي ما خطه نزار وغناه عبد الحليم "قارئة الفنجان" ..
وحين رأى صمودي .. اعتذر وقال:  إن خسرت الحبيب فلا اريد ان اخسر الصديق .. عودي لنكون اصدقاء فقط .. عودي لأجد من اتحدث معه إن ضاقت دنيتي ...
اطلق عهد امامي وامام الله على ان نكون أخوه .. ولكنه لا يستطيع ان يخسر الصديق الوحيد .. كأنثى .. تعاطفت معه ..
لا اعلم سبب صدودي عنه عندما افصح عن سره الأخير .. ألتفاوت التفكير بيننا .. لأختلاف الثقافات .. للمستوى المعيشي .. للتناقضات الاخرى ام ماذا ..
عدنا كما كنا غير اني كنت اكثر حذراً .. قليلة الكلام .. كثيرة الإنصات .. لاحظ جفائي .. فزاد تشاؤمه .. وكثيراً ما كان يرى الدهر قد سحقة .. وانه ينتظر الموت فقط وإلا فإنه لا يريد من هذه الدنيا شيئاً ..
كنت ألح لمعرفة سبب هذا التشاؤم .. فرفض فتاة له لن يكون آخر العهد له .. فلا تزال الحياة مشرقة امامه .. فلماذا يفكر بهذه الطريقة ..
واصلت الإلحاح .. مدعيه انه من الشخصيات السلبية التي لا تدرك نعمه الحياة .. إلى ان ثارت ثائرته في احد الأيام ليخبرني بصعقه لم اتوقعها .. قال: اتظنينني هكذا منذ اليوم او عام او اثنان؟  لقد تعبت الحياة منذ الطفولة حين قام احد ذئاب البشر بإغتصابي .. احسست بالسعادة عندما احببت تلك الفتاة الأولى .. وجرحت قلبي بخيانتها .. وعندما عرفتك .. واحببتك .. ادركت اني لم احب سواك .. وانك املي الوحيد .. لا اريد شيئاً سواك .. ولكن اعلم تفاوت مستوياتنا .. واعلم انها حماقة كبرى لأني لن اسعدك .. اقسمت اني سأكون كأخ لك .. وها انا انقض العهد .. واقول لك بأني لن اتوقف عن حبك .. لأنني لا استطيع .. كما لا استطيع ان اظلمك واربطك معي .. فأنت تستحقين من هو افضل مني ..
ذاك المساء .. قررت الهروب .. وقلت له .. بأني سأنطفئ من حياته حتى لا اعقدها .. وتركته جريح دون ان التفت إلى الوراء ..
ارسل لي خطابات يسأل كيف هي الحياة معي بعد اشهر تلت .. وكيف اصبحت حياته بليده .. بلا هدف .. غير انتظاره الموت .. وخطاب يتبع الخطاب .. على ذات الوتر .. إلى ان اثبت انه لم يستمع قط لي حين قلت "كن شخصاً آخر .. واخلق هدفاً تسعى له" ..
واصل الكتابة .. وواصلت القراءة .. إلى ان يأس من تلقي الجواب .. وبعدها .. لم اسمع منه او عنه شيء ..
هربت عن رجل كسير القلب .. لأني اعلم ان في بقائي تحطيم لبقايا حياته .. فما انا تلك التي سترضى بقوانينه .. وما هو ذاك الذي سيجد من عالمي سعادة له .. ولأني لا اراه غير اخ لي .. والفراق امر محتوم .. يحدث الآن .. فضلاً من ان يحدث بعد ان يعلق حياته بتلك العلاقة المتقلقلة اكثر ..
وهكذا انهيت كل شيء .. وكثيراً  ما حكموا بظلم قراري .. ولكني لا اراه كذلك .. لأن حكاية "الصداقة " في علاقتنا امر مستحيل .. والوصال اشد استحاله .. فلا ارى دافع من اطالة ما هو قصير ..
لم اهرب منه لأنه ليس بالشخص المثالي .. طبيعي ان غالبية حواء تبحث عن القطعه المماثلة .. ولكني ابحث عن القطعه المكملة .. ولا ارى نفسي مكملة له .. وما هو كذلك ..
..
مقتطفات من بدايه رحلة الهروب

"هويتي"

طائشة كعادتي .. بلسان سليط .. ارتكب حماقات لا تحصى .. منذ الطفولة .. حملتني اعوامي التسعه عشر لأرى ذات الحماقات .. اكررها كروتين حياتي .. كفرض .. كركن للدين .. لا تقوم شريعتي الا بها ..!
بدأت اهرب من القانون يوم تسجيلي في المدرسة .. فقد كنت اثقل كاهل والدتي بالبكاء كل يوم .. اتعذر بآلام المعده .. صداع شديد .. محومة من دون مرض....! جميع الطالبات اتفقن على الغياب [كذبة بالطبع] كما القائمة تطول ..!
كم كنت اكره مدرِّسة الحساب .. لأنها كانت كثيره الصراخ .. قليلة المضمون .. ولن انسى ابداً كيف كانت تصرخ في وجهي 5+5 فأجبت من شده الخوف [5] فكأن بركان يثور من عينيها .. وسيل قاذف من حنجرتها ..!
هربت من اول معادله حياتيه وجهت إلي .. 5+5 وكسرت القاعده لأكون نظريتي الخاصة حيث ان الجواب يكون 5!!
منذ ذلك اليوم ادركت انه ليس من الضروري ان تستند الحياة على نظريات ثابتة .. فإن كانت وجهة نظري تختلف [سأتمرد] .. فمن هو فيثاغورث ليجعلني اتعذب من نظريات الهندسة .. ومن هو نيوتن ليجبرني ان التصق بالأرض وكلما حاولت النهوض اسقطني .. وهكذا بدأت حياتي ..
بعد عام من دخولي المدرسة .. جاء القرار .. [اريد ان اتحجب...!] .. كنت املك من العمر ثمانية اعوام .. ولكن اريد ان اتحجب .. لم اكن ادرك الدافع الحقيقي وراء ذلك .. ولكن .. اليوم ادركت .. اني لم اكترث انه امر ديني يجب الأمتثال اليه .. [ابداً] .. فلم تكن الصلاة تعنيني .. بل .. لأنه احدى علامات النضوج التي اتوق للوصول اليها .. لم اكن يوماً اريد ان اكون طفلة ..
تمردت على جميع قريناتي في المدرسة .. وسرعان ما شكلت جندي .. كنت اختار الفتيات .. من منهن اصاحب .. وافرض على من يصاحبني ان لا يخالط من لا احب .. اعلم .. [قمة الجنون] .. ولكن .. كنت اشيد قلعة آلموت للحسن بن الصباح في تلك المدرسة .. ومن يعبث معها .. تكون سوء العاقبة عاقبته...!

"مجتمعي"
في مجتمعي .. يحظر على الفتاة ارتداء ملابس "فقط" كحجاب .. فذلك ينافي الفكر المتحضر للشعب العربي .. بل كان يجب على كل فتاة ما أن تصل إلى سن البلوغ ارتداء عباءة تستر كافة الجسد .. من الرأس لأخمص القدمين .. وكنت احداهن .. فلو تمردت وقلت [لا أؤمن] لأُمر حجاج القرية بسفك دمي .. فأنا عنصر شاد يحث على فساد الأمه .. اجل .. كثيراً كنت اود ان اقول [لا أؤمن] .. ولكن لساني يثقل .. وصوتي يختبأ في جحره ..!

"عائلتي"
ترعرعت في بيت للعائلة .. ضم جدتي .. جدي .. سبعة اشقاء وشقيقات لأمي .. وعدد لا يحصى من الأطفال.. كروضة بمفردها .. تكررت فيها الأسماء التي اعتدناها .. فاطمة .. زهراء .. حسن .. محمد ..  
كان لي والد مختلف .. تتمناه كل الفتيات .. له نظريات امقتها .. ولكن .. كان يرى رغبتي في الدرجة الأولى .. يسعى لرغبتي في الدرجة الأولى .. يرفض لي الوقوع في الخطأ .. بقدر ما يقول .. أخطأي .. فإن المرأ لا يتعلم إلا من اخطاءة ..!
لم يكن يجبرني على فعل شيء .. ولكني اعلم ما يحب وما يرضيه .. وكنت اسعى لفعله .. وعلى الرغم من ذلك .. له نظريات تجعلني اشعر اني سجين يتوق للهروب ..
أمي .. هي عالم آخر .. حين اقول امي .. اتذكر العصبية .. اتذكر الحنان .. فهي تحب .. وترفض الخطأ .. تمقت العصيان .. تحتقر التمرد .. ولكن ما هو نصيبها؟ ابنه متمردة .. ابنه تكره الانصياع ان لم يكن بملئ ارادتها .. ولذلك .. كنت اتقصّد ان اطير اللب من عقلها .. كنت اتقصد ان اثير عصبيتها .. فذلك كان يسليني .. كان يجعلني اضحك واضحك .. إلى ان تلحقني بالعصا .. فأختبئ تحت الطاولة .. او خلف الباب حيث لا تراني ..
حين اقول امي .. اتذكر كل مساء خميس .. حيث الأطفال ينعمون باللعب .. والجميع ينعم بالإسترخاء .. إلا "أنا" فقد كان نصيبها ان تجلس امام والدتها .. وتسمّع الدروس اليوميه .. وتكرر الدروس السابقة .. وتمضي المساء تتحفّظ نشيد مقرر الموسيقى "أمام البحر قد وقف .. صبي يجمع الصدف ......"
اشد ما يضحكني .. ذكرى لهوي بعالم خاص في الرسم وابتكار القصص .. بينما تظل امي تفصل الدروس .. وتفصل .. وتفصل .. إلى ان تراني من شده الإنتباه اغط في النوم .. واهرب إلى عالمي الخاص ..

..