Sunday, 26 December 2010

هاربة من رجل مكسور..

قال لي: بحق ربكِ اخبريني .. كيف الفراق بلا وداع ..
هوّ .. التقيته ..كأحد عوام الناس .. يربطنا سلام بين الحين والآخر .. لا اعرفه حقاً .. غير اسمه .. ملامحه .. القليل عن شخصيته .. وكفى
إلى ان ادركت انه ممن يهتم بتطورات حياتي .. هكذا بدأت القصة ..
كنت ممن يهوى تحليل الذات .. وفضولي لأكتشاف فصائل بني البشر جعل مني شخصية تود التحدث مع مختلف الأفراد .. وخصوصاً .. من لهم نظره الحزن .. من ترى ابتسامتهم وتعلم انها تخبئ الكثير تحتها ..
كان يكبرني بثمانية اعوام .. بدأت رسائلنا حين كان يسألني عن الدراسة وما هو طعم الغربه .. وكانت خطاباتي عفوية .. تشوبها الرسمية .. وتفتقر الدقة .. "الحمد لله .. لا شيء جديد" وهكذا كانت .. لقاءات بارده .. بصدفه غير مقصودة .. فما هو لي إلا صديق غريب .. لا اعرفة ..
بدأ يسألني عن ارائي في قضايا اجتماعية .. سياسية .. دينيه .. وكثيراً ما كانت تصل ذروه النقاش إلى زاوية مغلقة .. فهو من عالم يختلف عن ذاك الذي اعيشة .. فهو متدين .. "متشدد" .. كما كنت اراه .. يحرم الغناء .. يوجب ارتداء العباءة التي خلعتها بعد هروبي من قانون المجتمع .. ويرى ان الفتاه جوهرة يجب الحفاظ عليها في صندوق مغلق .. لا ترى النور .. ولا احد يراها .. حتى لا يطمع فيها اللصوص ..
جذبني هذا التنافر بيننا .. دفعني الفضول لأكتشف عالمه .. وهكذا بدأنا نتحدث كل اسبوع .. بمواضيع مختلفة .. نطرحها .. ونحللها .. إلى ان نصل إلى باب مغلق ..
لم ادرك ان ذلك جعلني قريبة منه .. إلى الحد الذي بدأ يطلعني على اسراره .. اخبرني ان قلبه مكسور من امرأه احبها فخانته .. فكنت له الطبيب .. وكنت ارى منه اخاً اجلّ احترامه ..اطلعه على ابرز الأحداث من يومياتي ..
اطلعني على انه لا يملك اي شهاده علمية غير الإعدادية .. وذلك لظروف نفسية ألمت به .. تعاطفت معه .. ودفعني ذلك إلى حثة لأكمال دراسته .. وبدأ حياة بيضاء .. ولكنه كان قليل التفاءول .. يحبذ الموت على ان يسعى مره اخرى ..
جاءني في احدى الأيام ليخبرني انه احبني .. فابتعدت عنه .. واصبح الجفاء هو لساني معه .. وكنت اقول .. "كيف يجرأ" .. لم ادرك حينها ان ذلك طبيعي من رجل في السادسة والعشرين من عمره .. يومها ارسل لي ما خطه نزار وغناه عبد الحليم "قارئة الفنجان" ..
وحين رأى صمودي .. اعتذر وقال:  إن خسرت الحبيب فلا اريد ان اخسر الصديق .. عودي لنكون اصدقاء فقط .. عودي لأجد من اتحدث معه إن ضاقت دنيتي ...
اطلق عهد امامي وامام الله على ان نكون أخوه .. ولكنه لا يستطيع ان يخسر الصديق الوحيد .. كأنثى .. تعاطفت معه ..
لا اعلم سبب صدودي عنه عندما افصح عن سره الأخير .. ألتفاوت التفكير بيننا .. لأختلاف الثقافات .. للمستوى المعيشي .. للتناقضات الاخرى ام ماذا ..
عدنا كما كنا غير اني كنت اكثر حذراً .. قليلة الكلام .. كثيرة الإنصات .. لاحظ جفائي .. فزاد تشاؤمه .. وكثيراً ما كان يرى الدهر قد سحقة .. وانه ينتظر الموت فقط وإلا فإنه لا يريد من هذه الدنيا شيئاً ..
كنت ألح لمعرفة سبب هذا التشاؤم .. فرفض فتاة له لن يكون آخر العهد له .. فلا تزال الحياة مشرقة امامه .. فلماذا يفكر بهذه الطريقة ..
واصلت الإلحاح .. مدعيه انه من الشخصيات السلبية التي لا تدرك نعمه الحياة .. إلى ان ثارت ثائرته في احد الأيام ليخبرني بصعقه لم اتوقعها .. قال: اتظنينني هكذا منذ اليوم او عام او اثنان؟  لقد تعبت الحياة منذ الطفولة حين قام احد ذئاب البشر بإغتصابي .. احسست بالسعادة عندما احببت تلك الفتاة الأولى .. وجرحت قلبي بخيانتها .. وعندما عرفتك .. واحببتك .. ادركت اني لم احب سواك .. وانك املي الوحيد .. لا اريد شيئاً سواك .. ولكن اعلم تفاوت مستوياتنا .. واعلم انها حماقة كبرى لأني لن اسعدك .. اقسمت اني سأكون كأخ لك .. وها انا انقض العهد .. واقول لك بأني لن اتوقف عن حبك .. لأنني لا استطيع .. كما لا استطيع ان اظلمك واربطك معي .. فأنت تستحقين من هو افضل مني ..
ذاك المساء .. قررت الهروب .. وقلت له .. بأني سأنطفئ من حياته حتى لا اعقدها .. وتركته جريح دون ان التفت إلى الوراء ..
ارسل لي خطابات يسأل كيف هي الحياة معي بعد اشهر تلت .. وكيف اصبحت حياته بليده .. بلا هدف .. غير انتظاره الموت .. وخطاب يتبع الخطاب .. على ذات الوتر .. إلى ان اثبت انه لم يستمع قط لي حين قلت "كن شخصاً آخر .. واخلق هدفاً تسعى له" ..
واصل الكتابة .. وواصلت القراءة .. إلى ان يأس من تلقي الجواب .. وبعدها .. لم اسمع منه او عنه شيء ..
هربت عن رجل كسير القلب .. لأني اعلم ان في بقائي تحطيم لبقايا حياته .. فما انا تلك التي سترضى بقوانينه .. وما هو ذاك الذي سيجد من عالمي سعادة له .. ولأني لا اراه غير اخ لي .. والفراق امر محتوم .. يحدث الآن .. فضلاً من ان يحدث بعد ان يعلق حياته بتلك العلاقة المتقلقلة اكثر ..
وهكذا انهيت كل شيء .. وكثيراً  ما حكموا بظلم قراري .. ولكني لا اراه كذلك .. لأن حكاية "الصداقة " في علاقتنا امر مستحيل .. والوصال اشد استحاله .. فلا ارى دافع من اطالة ما هو قصير ..
لم اهرب منه لأنه ليس بالشخص المثالي .. طبيعي ان غالبية حواء تبحث عن القطعه المماثلة .. ولكني ابحث عن القطعه المكملة .. ولا ارى نفسي مكملة له .. وما هو كذلك ..
..
مقتطفات من بدايه رحلة الهروب

"هويتي"

طائشة كعادتي .. بلسان سليط .. ارتكب حماقات لا تحصى .. منذ الطفولة .. حملتني اعوامي التسعه عشر لأرى ذات الحماقات .. اكررها كروتين حياتي .. كفرض .. كركن للدين .. لا تقوم شريعتي الا بها ..!
بدأت اهرب من القانون يوم تسجيلي في المدرسة .. فقد كنت اثقل كاهل والدتي بالبكاء كل يوم .. اتعذر بآلام المعده .. صداع شديد .. محومة من دون مرض....! جميع الطالبات اتفقن على الغياب [كذبة بالطبع] كما القائمة تطول ..!
كم كنت اكره مدرِّسة الحساب .. لأنها كانت كثيره الصراخ .. قليلة المضمون .. ولن انسى ابداً كيف كانت تصرخ في وجهي 5+5 فأجبت من شده الخوف [5] فكأن بركان يثور من عينيها .. وسيل قاذف من حنجرتها ..!
هربت من اول معادله حياتيه وجهت إلي .. 5+5 وكسرت القاعده لأكون نظريتي الخاصة حيث ان الجواب يكون 5!!
منذ ذلك اليوم ادركت انه ليس من الضروري ان تستند الحياة على نظريات ثابتة .. فإن كانت وجهة نظري تختلف [سأتمرد] .. فمن هو فيثاغورث ليجعلني اتعذب من نظريات الهندسة .. ومن هو نيوتن ليجبرني ان التصق بالأرض وكلما حاولت النهوض اسقطني .. وهكذا بدأت حياتي ..
بعد عام من دخولي المدرسة .. جاء القرار .. [اريد ان اتحجب...!] .. كنت املك من العمر ثمانية اعوام .. ولكن اريد ان اتحجب .. لم اكن ادرك الدافع الحقيقي وراء ذلك .. ولكن .. اليوم ادركت .. اني لم اكترث انه امر ديني يجب الأمتثال اليه .. [ابداً] .. فلم تكن الصلاة تعنيني .. بل .. لأنه احدى علامات النضوج التي اتوق للوصول اليها .. لم اكن يوماً اريد ان اكون طفلة ..
تمردت على جميع قريناتي في المدرسة .. وسرعان ما شكلت جندي .. كنت اختار الفتيات .. من منهن اصاحب .. وافرض على من يصاحبني ان لا يخالط من لا احب .. اعلم .. [قمة الجنون] .. ولكن .. كنت اشيد قلعة آلموت للحسن بن الصباح في تلك المدرسة .. ومن يعبث معها .. تكون سوء العاقبة عاقبته...!

"مجتمعي"
في مجتمعي .. يحظر على الفتاة ارتداء ملابس "فقط" كحجاب .. فذلك ينافي الفكر المتحضر للشعب العربي .. بل كان يجب على كل فتاة ما أن تصل إلى سن البلوغ ارتداء عباءة تستر كافة الجسد .. من الرأس لأخمص القدمين .. وكنت احداهن .. فلو تمردت وقلت [لا أؤمن] لأُمر حجاج القرية بسفك دمي .. فأنا عنصر شاد يحث على فساد الأمه .. اجل .. كثيراً كنت اود ان اقول [لا أؤمن] .. ولكن لساني يثقل .. وصوتي يختبأ في جحره ..!

"عائلتي"
ترعرعت في بيت للعائلة .. ضم جدتي .. جدي .. سبعة اشقاء وشقيقات لأمي .. وعدد لا يحصى من الأطفال.. كروضة بمفردها .. تكررت فيها الأسماء التي اعتدناها .. فاطمة .. زهراء .. حسن .. محمد ..  
كان لي والد مختلف .. تتمناه كل الفتيات .. له نظريات امقتها .. ولكن .. كان يرى رغبتي في الدرجة الأولى .. يسعى لرغبتي في الدرجة الأولى .. يرفض لي الوقوع في الخطأ .. بقدر ما يقول .. أخطأي .. فإن المرأ لا يتعلم إلا من اخطاءة ..!
لم يكن يجبرني على فعل شيء .. ولكني اعلم ما يحب وما يرضيه .. وكنت اسعى لفعله .. وعلى الرغم من ذلك .. له نظريات تجعلني اشعر اني سجين يتوق للهروب ..
أمي .. هي عالم آخر .. حين اقول امي .. اتذكر العصبية .. اتذكر الحنان .. فهي تحب .. وترفض الخطأ .. تمقت العصيان .. تحتقر التمرد .. ولكن ما هو نصيبها؟ ابنه متمردة .. ابنه تكره الانصياع ان لم يكن بملئ ارادتها .. ولذلك .. كنت اتقصّد ان اطير اللب من عقلها .. كنت اتقصد ان اثير عصبيتها .. فذلك كان يسليني .. كان يجعلني اضحك واضحك .. إلى ان تلحقني بالعصا .. فأختبئ تحت الطاولة .. او خلف الباب حيث لا تراني ..
حين اقول امي .. اتذكر كل مساء خميس .. حيث الأطفال ينعمون باللعب .. والجميع ينعم بالإسترخاء .. إلا "أنا" فقد كان نصيبها ان تجلس امام والدتها .. وتسمّع الدروس اليوميه .. وتكرر الدروس السابقة .. وتمضي المساء تتحفّظ نشيد مقرر الموسيقى "أمام البحر قد وقف .. صبي يجمع الصدف ......"
اشد ما يضحكني .. ذكرى لهوي بعالم خاص في الرسم وابتكار القصص .. بينما تظل امي تفصل الدروس .. وتفصل .. وتفصل .. إلى ان تراني من شده الإنتباه اغط في النوم .. واهرب إلى عالمي الخاص ..

..